الخميس , سبتمبر 20 2018
الرئيسية / مقالات / أبناؤنا ..كيف نستردهم؟

أبناؤنا ..كيف نستردهم؟

حالة من الذهول تصيب اليوم كل من يستعرض حال جيلنا الناشئ وموقعه في سلم الأولويات و الاهتمامات .
ذهول مرده إلى مخلفات النزعة الاستهلاكية البغيضة وما أفضت إليه من تراجع لمفعول القيم في نفوس الناشئة، وتماد في تقدير الذات و تمجيد الأنانية و الفردية إلى الحد الذي ارتخت معه الأواصر و الروابط الاجتماعية .
ذهول مرده إلى التحلل المفرط من كل الثوابت الدينية و الأخلاقية،مقابل الولاء التام لحريات اختلط فيها الحابل بالنابل،واتسع الخرق على الراتق،ولم يعد للفضيلة في ناموسها موطئ قدم.
ذهول مرده إلى التواطؤ غير المعلن بين مؤسسات التنشئة الاجتماعية،بدءا بالأسرة ووصولا إلى مراكز القرار السياسي،لتخريج أجيال مفرغة من كل هم أو همة،ديدنها الاغتراف من مباهج الحياة ولو استدعى الأمر إشعال الحرائق في أرجاء البلد!
في هذا الخضم المهول من تجليات التربية الخاطئة و الانفلات الإعلامي والانخداع المتزايد بالسعادة المتوهمة في الإشباع و الابتلاع،يُطرح السؤال المقلق و المؤرق: كيف نسترد أبناءنا ونحررهم من قبضة الهدم و التخريب الممعن دون هوادة في بنائنا القيمي و السلوكي،بل و الحضاري برمته ؟!
يتطلب الأمر بداية تجديد النظر في الطفولة و الطفل بما يتناسب مع متطلبات العصر. إذ أن أغلب الأسر المسلمة اليوم تعامل الطفل وتحاكمه وفق القواعد التي تلقتها في طفولتها هي،دون تمييز بين قاعدة مبنية على قيم دينية واجتماعية ثابتة،وأخرى مبنية على عادات متغيرة بتغير الزمان.هنا يتضح سر التمرد الذي لا يكف الأطفال عن إبدائه حين يتعارض الضبط الأسري مع مواقف تفرضها الحياة المعاصرة.إن بعض الأسر تعتبر الطفل فرصة لتعويض الإخفاق الذي مني به أحد الأبوين أو كلاهما في مساره الشخصي،فيبذلان جهدا،سلبيا أحيانا،حتى يخطو الطفل بدقة في المسار المحدد له سلفا،بدل العناية بملكاته وتنميتها على نحو سليم. ولنقرب المسألة بمثال مما يجري اليوم داخل أغلب الأسر :
إن كل والد وكل أم ،تقول الباحثة شيلي هيرولد،يرغبان أن يكون ابنهما متكامل السمات،و جميلا،ومحبوبا ،وموهوبا دراسيا وجذابا.أي ببساطة “مثاليا” على الرغم من أن المثالية هي شيء لا يمكن بلوغه في الواقع.غير أن الاحتفاء الإعلامي المبالغ فيه أحيانا ببعض المتفوقين دراسيا و الموهوبين في مجال تعليمي معين يعزز هذا الوهم،ويقنع الآباء بأن تحقق المثالية أمر ممكن إذا اتبعوا مسارات محددة بدقة وصرامة،واستجابوا دون روية للتكلفة الباهظة التي يستلزمها المخطط الدراسي.حادت التربية و التعليم عن مقصدهما الإنساني ليتم اختزالهما في مسعى وحيد هو وضع الطفل في “أنبوبة اختبار ” للكشف عن استعداداته “الخارقة” ونبوغه غير الاعتيادي.فإن لم يتبين شيء من ذلك جرت عملية حقنه بمصل الذكاء “المعلب” و النبوغ القسري ليتحقق الرضى الأسري !
الملفت في الأمر كذلك أن المعطى التربوي يطرح أزيد من ثماني طرق مختلفة يكشف من خلالها الطفل عن ذكائه ومواهبه الخاصة.فهوارد غاردنر يثير انتباهنا في “نظرية الذكاءات المتعددة ” إلى أن الطفل يمكن أن يكون موهوبا في التواصل مع الذات و الأشخاص أو مع الطبيعة ومفرداتها،وقد يكون ذكاؤه موسيقيا أو لغويا أو جسديا أو رياضيا،إلى غير ذلك من تجليات الموهبة الخاصة.لكن الأسر المسلمة لا تؤمن بغير الذكاء المتمثل في التفوق الدراسي و”حصد ” الشواهد و التقديرات. فنتج عن السباق الهائل إلى جعل كل أطفالنا موهوبين وأذكياء اهتزاز بنيان العملية التعليمة،بل وتحللت أسر عديدة من كل القيم الأخلاقية في سبيل تحقيق ذاك المبتغى، وأصبحت المدرسة فضاء لشراء الذمم و المتاجرة بشواهد غير مستحقة،ومعدلات تحصيل تنكشف سوأتها في أول منعطف !
عاين كاتب هذه الأسطر،مواقف مؤلمة لآباء يدفعون أموالا طائلة لقاء الحصول على شهادة غير مستحقة،وآخرين يتجولون في ردهات المدارس الخاصة بحثا عمن يمنح ابنهم الراسب معدلا دراسيا بميزة جيدة كي يلج المعهد الفلاني،أو يغذي سجله الوظيفي سعيا وراء ترقية غير مستحقة أو منصب .أما من يشكو ضيق ذات اليد فيدرب الابن أو البنت على سبل الغش الملتوية لتحقيق الهدف،فإن ذكرته بالقيم الناظمة لسلوكنا الاجتماعي ثارت ثائرته،وأرغى و أزبد محتجا بأن الواقع يفرض ذلك !
أمام هذه التوليفة الغريبة من السلوكيات،و التبريرات الأقبح من الزلات ينكشف أمامنا تخريب فظيع للمستقبل سعيا وراء حاضر بهيج، فهل آن الأوان لاسترداد أبنائنا من قبضة أنانيتنا المفرطة أم طاب لنا السير الحثيث نحو المنحدر ؟
أما قصة العنف في البيت و المدرسة و الشارع فتحيلنا على ملمح آخر من ملامح الأزمة التربوية المستشرية.بعض الأسر التي ترجح خيار التسلط في الرقابة على سلوك الأبناء تغذي اختلالات لاحقة تؤسس للعنف،لكن حتى تلك التي تتبنى معايير تربوية أكثر حداثة تسهم في تغذية السلوك العدواني، إما بالتدليل المفرط أو بالسماح لمتدخلين آخرين بتشكيل القناعات و التعويض عن ساعات طوال من الانشغال عنهم.ولعل الكثيرين سيوافقونني الرأي بأن الإعلام أحد أخطر المتدخلين وأشدهم ضراوة في العبث بمقومات البيت السليم !
في زمن الوفرة و السرعة قلما تتاح للمرء فرصة التفكير النقدي في مكانة الإعلام،وأدواره وتأثيراته غير المرغوبة على الفكر و السلوك داخل المنظومة الأسرية. ترسخت في وعينا مقولة أن مشاهدة التلفزيون “تسلية “،فلم نلق بالا للتعديلات الخطيرة التي مست فحواه حتى صحونا يوما على عادات وسلوكيات غير معهودة لجيل يستحق عن جدارة لقب “جيل التلفزيون “.جيل عدواني عنيف، متبلد الحس،لا يرى في الحياة اليومية غير شاشة رحبة، تتيح له المحاكاة المطلقة لما تابعه على الشاشة الصغرى!
إن صيحات الإنذار بشأن الإدمان على التلفزيون دُقت منذ عقود،لكن يبدو أننا لا نتحرك إلا حين تتخذ المشكلة حجم الكارثة ! و اليوم لا يخفي الآباء عجزهم عن إيجاد بدائل تخفف من الولع المتزايد بما تطرحه تكنولوجيا الاتصال من مواد تفاعلية امتدت سيطرتها إلى الفضاء الثقافي و الاجتماعي برمته.ومما ضاعف من حدة المشكلة ذوبان الإعلام في الإعلان،وهيمنة البعد التسويقي و التجاري على برامج الأطفال التي ظلت،حتى الأمس القريب،تدعم مسار تنشئة الطفل،وتحقق المتعة و التسلية.فلا يخفى على أحد اليوم كيف تحولت شخصيات الرسوم المتحركة إلى علامات تجارية،تستنفر رغبة الأطفال و معها جيوب الآباء لابتلاع المزيد من اللعب و الملابس و الأدوات المدرسية، في سعي حثيث لخلق “المستهلك الصغير”، الذي يبدأ رحلة الشقاء مبكرا !
ارتفعت وتيرة العنف في برامج الأطفال على نحو غير مسبوق،فازداد ولع الصغار بالقصص البوليسية ومشاهد الصدام و الاعتداء اللفظي و البدني،كما برزت في الآونة الأخيرة أعمال سينمائية ضخمة تستغل الخبرة الحياتية المحدودة للطفل كي تلغي كل حاجز بين الخيال و الواقع،وتُكسب المشاهد الصغير أنماطا سلوكية تتسم بالخداع و التضليل،و التماهي مع بعض الأساليب الإجرامية المطروحة في ثوب “بريء”.في دراسة قدمها الباحث محمود شمال حسن لكلية الآداب بالجامعة المستنصرية بالعراق تحت عنوان ” الآثار النفسية المترتبة على مشاهدة الأطفال للقنوات الفضائية ” يخلص الباحث إلى أن الوقائع الميدانية أثبتت أن تعرض الطفل بشكل مستمر للبرامج التي تنطوي على الجريمة و القتال،يؤدي إلى زيادة مشاعره العدوانية، ويقلل من حساسيته الإنسانية وعدم اكتراثه بآلام الآخرين.كما أن ضعف قدرته على التمييز بين العالم الواقعي الذي يعيش في كنفه،و العالم الخيالي الدرامي يعزز من يقينه بصحة هذه الوقائع،وبأن الخديعة و الترهيب و العنف و الإكراه هي مقتضيات ضرورية في عالم تسوده القوة .( الإعلام وتشكيل الرأي العام وصناعة القيم .ص 206).
فهل يعي الآباء خطورة الاستسلام لقبضة الإعلام،ويكثفوا من مبادرات المساءلة الاجتماعية للخطاب الإعلامي على نحو ضاغط،أم سيتطلب الأمر مزيدا من الضحايا قبل أن ننتبه ؟

حميد بن خبيش

عن bahar

شاهد أيضاً

حاجتنا إلى القرآن العظيم

من أنت؟ أنا، وأنت!.. ذلك هو السؤال الذي قلما ننتبه إليه! والعادة أن الإنسان يحب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *